سيد محمد طنطاوي

483

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وشبيه بهذه الآية في تعجيز المشركين وتجهيلهم قوله تعالى : قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوه لَنا ، إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ، وإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ « 1 » . وقوله - سبحانه - : قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ، أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ ، أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ، ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 2 » : ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على تكذيبهم لقومهم ، ووصفهم إياهم بالظلم فقال : * ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّه كَذِباً ) * . أي : لا أحد أشد ظلما من قوم افتروا على اللَّه - تعالى - الكذب ، حيث زعموا أن له شريكا في العبادة والطاعة ، مع أنه - جل وعلا - منزه عن الشريك والشركاء : أَلا لَه الْخَلْقُ والأَمْرُ تَبارَكَ اللَّه رَبُّ الْعالَمِينَ . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما تناجوا به فيما بينهم ، بعد أن وضح موقفهم وضوحا صريحا حاسما ، وبعد أن أعلنوا كلمة التوحيد بصدق وقوة . . فقال - تعالى - : * ( وإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّه ، فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِه ويُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً ) * . و « إذ » يبدو أنها هنا للتعليل . والاعتزال : تجنب الشيء سواء أكان هذا التجنب بالبدن أم بالقلب . و « ما » في قوله * ( وما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّه ) * اسم موصول في محل نصب معطوف على الضمير في قوله * ( اعْتَزَلْتُمُوهُمْ ) * وقوله : * ( إِلَّا اللَّه ) * استثناء متصل ، بناء على أن القوم كانوا يعبدون اللَّه - تعالى - ويشركون معه في العبادة الأصنام . و « من » قالوا إنها بمعنى البدلية . وقوله : * ( مِرفَقاً ) * من الارتفاق : بمعنى الانتفاع ، وقرأ نافع وابن عامر مرفقا - بفتح الميم وكسر الفاء . والمعنى : أن هؤلاء الفتية بعد أن أعلنوا كلمة التوحيد ، وعقدوا العزم على مفارقة قومهم المشركين تناجوا فيما بينهم وقالوا : ولأجل ما أنتم مقدمون عليه من اعتزالكم لقومكم الكفار ، واعتزالكم الذي يعبدونه من دون اللَّه لأجل ذلك فالجأوا إلى الكهف ، واتخذوه

--> ( 1 ) سورة الأنعام الآية 148 . ( 2 ) سورة الأحقاف الآية 4 .